كيوان دمشق، من بساتين خضراء إلى مشروع سياحي ضخم، هل يُعاد إحياء الاستثمار أم يُعاد فتح ملف الاستملاك؟

مقدمة

تتصدر منطقة كيوان في دمشق واجهة الجدل مجدداً بعد توجيه إنذارات بإخلاء عدد من العقارات، تمهيداً لاستكمال مشروع سياحي ضخم تعود جذوره إلى أكثر من خمسين عاماً. لكن القضية ليست مجرد مشروع استثماري، بل ملف قانوني وتاريخي معقد يجمع بين حقوق الملكية، والاستملاك، والاستثمار، والتنمية الحضرية.

ويطرح هذا الملف سؤالاً محورياً: هل تمثل إعادة تفعيل مشروع كيوان فرصة اقتصادية لدمشق، أم أنها تعيد فتح نزاع لم يُحسم منذ سبعينيات القرن الماضي؟

أولاً، أين تقع أرض كيوان ولماذا تُعد من أهم أراضي دمشق؟

تقع أرض كيوان في موقع استثنائي بين ساحة الأمويين، وجبل قاسيون، والمهاجرين، وحديقة تشرين، وتُعد من أغلى الأراضي في العاصمة السورية.

كانت المنطقة تاريخياً عبارة عن بساتين واسعة ومتنفس طبيعي للمدينة، ثم تحولت أجزاء منها تدريجياً إلى مشاريع خدمية وطرق وحدائق عامة، بينما بقي جزء كبير منها خاضعاً لوزارة السياحة بموجب قرارات الاستملاك السابقة.

ثانياً، كيف بدأت القضية؟

تعود جذور الملف إلى عام 1972 عندما صدر مرسوم استملاك مساحات واسعة من أرض كيوان لصالح وزارة السياحة بهدف إنشاء منشآت وفنادق سياحية.

حصل المالكون آنذاك على تعويضات وفق إجراءات الاستملاك المعمول بها، إلا أن الجزء الأكبر من المشروع لم يُنفذ لعقود طويلة، وبقيت مساحات واسعة دون تطوير فعلي.

وهنا بدأت الإشكالية القانونية، إذ يرى عدد من المالكين أن عدم تنفيذ الغاية التي استُملكت الأرض من أجلها يمنحهم حق المطالبة بإعادة النظر في الاستملاك، بينما تتمسك الوزارة بأن ملكية الأرض انتقلت إليها بصورة قانونية وما زالت مخصصة للاستثمار السياحي.

ثالثاً، لماذا عاد الملف الآن؟

بعد التغيرات السياسية الأخيرة، تقدم عدد من المالكين وورثتهم بمطالب لإعادة أراضيهم، معتبرين أن المشروع لم يُنفذ طوال أكثر من خمسين عاماً.

في المقابل، أعلنت وزارة السياحة المضي في تنفيذ مشروع استثماري جديد تحت اسم “ذا بومنت دمشق” (The Beaumont Damascus)، باعتباره أول وجهة سياحية متكاملة على أرض كيوان.

وبالتزامن مع ذلك، بدأت إجراءات إخلاء بعض العقارات الواقعة ضمن المخطط الاستثماري، وهو ما أدى إلى موجة اعتراضات من السكان والمالكين.

رابعاً، ما هو مشروع “ذا بومنت دمشق”؟

بحسب ما أعلنته وزارة السياحة، يستهدف المشروع إنشاء وجهة سياحية متكاملة تشمل:

وتبلغ المساحة البنائية المعلنة نحو 77 ألف متر مربع، باستثمارات تقدر بمئات ملايين الدولارات، ليكون أحد أكبر المشاريع السياحية الجديدة في دمشق.

خامساً، لماذا يعترض المالكون؟

يرتكز اعتراضهم على عدة نقاط رئيسية:

في المقابل، تؤكد الجهات الرسمية أن الأرض ما زالت مملوكة للدولة بموجب مراسيم نافذة، وأن المشروع يهدف إلى دعم الاقتصاد والسياحة وجذب الاستثمارات.

سادساً، ماذا تعني قرارات الإخلاء؟

تشير المعلومات المتاحة إلى أن الإنذارات تستهدف العقارات الواقعة داخل حدود المشروع، بهدف تمكين المستثمر من البدء بأعمال التنفيذ.

لكن ذلك لا يعني انتهاء جميع الإجراءات القانونية، إذ ما زال الملف قابلاً للطعن والمتابعة القضائية بالنسبة لبعض الحالات، بحسب الوضع القانوني لكل عقار.

تحليل CIP

بعيداً عن الجدل القانوني، تكشف قضية كيوان عن تحدٍ تواجهه سوريا في مرحلة إعادة الإعمار، وهو كيفية تحقيق التوازن بين جذب الاستثمارات وحماية حقوق الملكية.

فالمشاريع الكبرى تحتاج إلى بيئة قانونية مستقرة تمنح المستثمر الثقة، لكنها تحتاج أيضاً إلى معالجة شفافة للنزاعات التاريخية حتى لا تتحول إلى مصدر جديد للخلافات.

وبالنسبة لقطاع السياحة، فإن نجاح مشروع كيوان قد يشكل نقطة تحول مهمة في استقطاب رؤوس الأموال، لكنه سيكون أيضاً اختباراً لقدرة المؤسسات على إدارة ملفات الاستملاك القديمة لإشخاص إستفادوا من العهد السابق لإستخدام هذه العقارات.