في الوقت الذي تسعى فيه سوريا لإعادة بناء قطاعها الطاقي واستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية، برز اسمان في مقدمة المشهد الاستثماري الجديد: رجل الأعمال السوري البريطاني أيمن الأصفري، وعائلة الخياط القطرية، في تحالف يجمع الخبرة التقنية والقدرة التمويلية ضمن واحدة من أكبر التحركات الاستثمارية التي يشهدها قطاع الغاز السوري منذ أكثر من عقد.
وفي السادس عشر من يونيو 2026، وقعت الشركة السورية للبترول اتفاقية تطوير استراتيجية مع شركة كونوكو فيليبس الأمريكية وشركة نوفاتيرا للطاقة، في خطوة تعكس عودة الشركات الدولية تدريجياً إلى السوق السورية، وبدء انتقال عدد من مذكرات التفاهم إلى مشاريع تنفيذية على الأرض.
وتركز الاتفاقية على تطوير حقول الغاز البرية ورفع إنتاجها، إلى جانب تعزيز إمدادات الغاز لمحطات توليد الكهرباء والقطاعات الصناعية، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات كبيرة مرتبطة بأمن الطاقة واستقرار الشبكة الكهربائية.
يُعد أيمن الأصفري من أبرز الشخصيات السورية التي صنعت حضوراً عالمياً في قطاع النفط والغاز، بعدما قاد شركة بيتروفاك البريطانية لسنوات طويلة، وأشرف على تنفيذ مشاريع طاقة ضخمة في الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا.
وتشير السجلات التجارية إلى أن الأصفري يشغل موقعاً إدارياً في شركة نوفاتيرا للطاقة، الشريك الرئيسي في الاتفاقية الجديدة، وهو ما يمنحه دوراً محورياً في واحدة من أكبر خطط تطوير الغاز في سوريا خلال السنوات الأخيرة.
ويحمل المشروع أبعاداً مالية مهمة، إذ تستند الخطة الاستثمارية إلى برنامج يمتد على مدى 25 عاماً، مع التزام بضخ استثمارات تصل إلى خمسة مليارات دولار، منها 1.5 مليار دولار خلال السنوات الثلاث الأولى من التنفيذ.
وبحسب الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي، تستهدف المرحلة الأولى زيادة إنتاج الغاز السوري بما يتراوح بين أربعة وخمسة ملايين متر مكعب يومياً خلال عام واحد فقط، وهو ما قد يساهم في تخفيف جزء من أزمة الطاقة التي تعاني منها البلاد.
وعقب توقيع الاتفاقية في مقر وزارة الطاقة بدمشق، استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع وفد الشركات المشاركة في قصر الشعب، والذي ضم الرئيس التنفيذي لشركة كونوكو فيليبس رايان لانس، والرئيس التنفيذي لشركة نوفاتيرا أليكس ماكدونالد، إلى جانب أيمن الأصفري.

بالتوازي مع عودة الأصفري إلى المشهد الطاقي السوري، تواصل عائلة الخياط تعزيز حضورها الاقتصادي داخل سوريا عبر شبكة واسعة من الاستثمارات تمتد من الطاقة إلى البنية التحتية والقطاع المالي.
فمنذ انتقال الشقيقين معتز الخياط ورامز الخياط إلى قطر عام 2011، نجحت المجموعة في بناء واحدة من أكبر المجموعات الاستثمارية في المنطقة، عبر شركات تنشط في مجالات الإنشاءات والأغذية والرعاية الصحية والسياحة والطاقة.
وتقود شركات المجموعة اليوم عدداً من المشاريع المرتبطة بإعادة الإعمار والاستثمار في سوريا، من بينها مشاريع البنية التحتية وتطوير مطار دمشق الدولي، إضافة إلى مشاريع الطاقة التقليدية والمتجددة.

أحد أبرز المشاريع المرتبطة بمجموعة الخياط يتمثل في مشروع البلوك البحري السوري، حيث أعلنت الشركة السورية للبترول تلقيها إشعاراً رسمياً من شركة شيفرون للمضي في إجراءات التطوير بالتعاون مع شركة UCC القابضة التابعة للمجموعة.
ومن المنتظر أن تبدأ الأعمال الفنية خلال عام 2026، في مشروع قد يؤسس لأول عمليات استكشاف للمياه العميقة ضمن المياه الإقليمية السورية، وهي خطوة ينظر إليها باعتبارها نقطة تحول محتملة في مستقبل قطاع الطاقة السوري.
وفي حال أثبتت أعمال الاستكشاف وجود احتياطيات تجارية مجدية، فقد تنضم سوريا إلى قائمة الدول المنتجة للغاز البحري في شرق المتوسط، وهو ما من شأنه إعادة رسم موقعها على خريطة الطاقة الإقليمية.

ولا تقتصر تحركات مجموعة الخياط على قطاع الطاقة فقط، بل تمتد أيضاً إلى القطاع المالي، حيث تستعد استثمار القابضة للاستحواذ على 60% من بنك الشهباء، إضافة إلى 30% من المصرف السوري الدولي الإسلامي.
ويمثل ذلك أول دخول استثماري أجنبي بهذا الحجم إلى القطاع المصرفي السوري منذ التغيرات السياسية الأخيرة، في مؤشر على اتساع شهية المستثمرين الإقليميين تجاه السوق السورية.
تمثل اتفاقية كونوكو فيليبس ونوفاتيرا واحدة من أصل 11 مذكرة تفاهم وقعتها الحكومة السورية مع مستثمرين وشركات دولية خلال السنوات الأخيرة، قبل أن تتحول إلى مشاريع تنفيذية وعقود تطوير فعلية.
كما سبق للشركة السورية للبترول أن وقعت في مايو 2026 مذكرة تفاهم مع كونوكو فيليبس، إلى جانب توتال إنيرجيز وقطر للطاقة، بهدف استكشاف النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية وتعزيز القدرات الإنتاجية المستقبلية للبلاد.

ووصف وزير الطاقة محمد البشير الاتفاقية بأنها نقطة تحول في قطاع الطاقة السوري، مؤكداً أنها تعكس عودة الثقة الدولية بالبيئة الاستثمارية السورية، وقدرة المؤسسات الوطنية على بناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد.

يجمع التحالف بين أيمن الأصفري وآل الخياط عنصرين نادرين في مشاريع الطاقة الكبرى: الخبرة التشغيلية العميقة ورأس المال القادر على تمويل المشاريع طويلة الأجل.
لكن نجاح هذه الرؤية سيظل مرهوناً بقدرة البنية التحتية السورية على استيعاب الاستثمارات الجديدة، وبسرعة تحويل الاتفاقيات الموقعة إلى إنتاج فعلي ينعكس على الاقتصاد المحلي ويخفف من أزمة الطاقة المستمرة منذ سنوات.
ومع دخول شركات دولية وخليجية إلى السوق السورية، يبدو أن قطاع الغاز قد يكون أول القطاعات القادرة على قيادة مرحلة التعافي الاقتصادي وإعادة تموضع سوريا على خريطة الطاقة في المنطقة.
مجلة البناء والاستثمار في سوريا | www.cip.sy |
تمكين القطاعين العام والخاص بمعلومات دقيقة وموثوقة.
مجلة البناء والاستثمار 2026 ©. فريق التطوير Kawarem.tech. كل الحقوق محفوظة.