في خطوة تحمل دلالات اقتصادية وصناعية تتجاوز إنشاء مصنع جديد، وقعت الشركة العامة لصناعة وتسويق الإسمنت ومواد البناء في سورية مذكرة تفاهم مع شركة Çimko Çimento ve Beton San. Tic. A.Ş. التركية، بهدف تطوير صناعة الإسمنت في سورية وتعزيز التعاون في الاستثمار والتأهيل والتشغيل ونقل الخبرات الفنية والتقنية.
وجرى توقيع المذكرة في 28 آب 2026، حيث مثّل الجانب السوري المهندس محمود فضيلة، فيما مثّل شركة Çimko رئيس مجلس إدارتها عادل ساني كونوق أوغلو، وفق ما أعلنته وزارة الاقتصاد والصناعة السورية.
المشروع المقترح في حلب يتضمن إنشاء خط جديد لإنتاج الإسمنت وفق المعايير العالمية، بطاقة تصل إلى 5 آلاف طن من الكلنكر يومياً، على مرحلتين رئيسيتين.
تبدأ المرحلة الأولى بإنشاء منظومة طحن الإسمنت، بينما تتضمن المرحلة الثانية إقامة خط إنتاج متكامل يشمل مراحل تصنيع الكلنكر والإسمنت.
وبحساب الطاقة الإنتاجية الاسمية، فإن إنتاج 5 آلاف طن كلنكر يومياً يعادل نحو 1.65 مليون طن سنوياً عند افتراض تشغيل المصنع 330 يوماً في السنة. وهذا يضع المشروع ضمن الاستثمارات الصناعية القادرة على إحداث تأثير ملموس في سوق مواد البناء السورية، خصوصاً مع اتساع الحاجة المستقبلية إلى الإسمنت نتيجة مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية والسكن.
أهمية المشروع لا ترتبط فقط بالكمية المنتجة، بل بموقعه في منظومة إعادة إعمار سورية.
فالإسمنت مادة أساسية في مشاريع الإسكان والطرق والمنشآت الصناعية والتجارية والبنية التحتية، وبالتالي فإن زيادة الإنتاج المحلي يمكن أن تساعد على تأمين مادة استراتيجية لقطاع الإنشاءات، وتقليل الاعتماد على مصادر خارجية عندما تكون الواردات الخيار المستخدم لتغطية العجز.
لكن الأهم أن نجاح المشروع سيكون مرتبطاً بقدرته على إنتاج إسمنت مستقر الجودة وتنافسي التكلفة، وليس بمجرد زيادة الطاقة الإنتاجية. وهنا تصبح كفاءة استهلاك الطاقة، وتوافر الوقود، وجودة المواد الأولية، وكفاءة المطاحن والأفران، ونظم التحكم الآلي، وإدارة الصيانة عوامل حاسمة في الجدوى الاقتصادية للمشروع.
اختيار شركة Çimko كشريك في المشروع يحمل أهمية خاصة، إذ تمتلك الشركة خبرة واسعة في صناعة الإسمنت والخرسانة في تركيا. ووفق بيانات الشركة، بدأت مسيرتها الحالية عام 1995، وتمتلك مصانع متكاملة ومنشآت طحن وتعبئة، كما أعلنت عن طاقة سنوية تبلغ 5.4 مليون طن من الكلنكر و9.4 مليون طن من الإسمنت.

كما تمتلك Çimko خبرة في مجالات مرتبطة بتقليل استهلاك الموارد والأثر البيئي، من بينها استعادة الحرارة المهدرة واستخدام الوقود المشتق من النفايات، وهي تقنيات يمكن أن تكون ذات أهمية كبيرة عند تصميم خطوط إنتاج إسمنت جديدة في سورية.
وقد حصلت الشركة كذلك على تمويل استثماري من مؤسسة التمويل الدولية IFC في عام 2025، ضمن إصدار سندات بقيمة 400 مليون دولار، ما يعكس وجود شركة صناعية ذات قدرة تمويلية وخبرة تشغيلية يمكن البناء عليها في مشاريع التوسع.
Çimko، الموقع الرسمي للشركة
من أبرز بنود مذكرة التفاهم أن دور الشركة التركية لا يقتصر على توريد المعدات، بل يشمل إعداد الدراسات اللازمة، وتنفيذ أعمال الإنشاء، والتشغيل والاستثمار بالتعاون مع الشركات المتخصصة.
وفي المقابل، يلتزم الجانب السوري بتوفير الدراسات والاستشارات الفنية المطلوبة لتنفيذ المشروع.
كما تتضمن المذكرة برنامجاً لتدريب الكوادر السورية في التشغيل والصيانة والجودة والبيئة، وهو بند مهم لأن القيمة الحقيقية لأي مشروع صناعي لا تتوقف عند إنشاء المنشأة، وإنما تمتد إلى بناء القدرة المحلية على تشغيلها والمحافظة على كفاءتها على مدى عقود.
البدء بمنظومة طحن قبل الانتقال إلى خط إنتاج متكامل يمكن أن يمنح المشروع مرحلة عملية لتقييم السوق وسلاسل التوريد والطلب الفعلي على الإسمنت، قبل الوصول إلى كامل المنظومة الصناعية.
لكن من الناحية الاستثمارية، ستكون هناك مجموعة من الملفات التي تحتاج إلى حسم خلال الدراسات التفصيلية، أبرزها مصادر الحجر الكلسي والمواد الخام، الطاقة والوقود، البنية التحتية والنقل، المياه، البيئة، تكلفة الإنتاج، آلية التمويل، مدة التنفيذ، وسوق تصريف الإنتاج.
وهذه العناصر ستكون أكثر أهمية من الرقم المعلن للطاقة الإنتاجية عند تقييم المشروع اقتصادياً.
اختيار حلب لإنشاء الخط الجديد يحمل بعداً استراتيجياً أيضاً. فالمدينة تمثل أحد أهم المراكز الاقتصادية والصناعية في سورية، ووجود صناعة إسمنت حديثة بالقرب من مناطق الطلب يمكن أن يساهم في دعم قطاع الإنشاءات والصناعات المرتبطة به، إضافة إلى خلق فرص مباشرة وغير مباشرة في الهندسة والإنشاء والنقل والخدمات والصيانة والتوريد.
ومع تقدم مشاريع إعادة الإعمار، فإن الحاجة لن تكون إلى الإسمنت وحده، بل إلى منظومة صناعية كاملة تشمل الركام، الخرسانة الجاهزة، المنتجات الإسمنتية، مواد العزل، الأنظمة الإنشائية، المعدات، والخدمات الهندسية.
إذا انتقلت مذكرة التفاهم من مرحلة الدراسات إلى التنفيذ الفعلي، فإن المشروع يمكن أن يمثل أحد الاستثمارات الصناعية المهمة في قطاع مواد البناء السوري خلال المرحلة المقبلة.
لكن التحدي الحقيقي سيكون في تحويل الاتفاق إلى مصنع يعمل بكفاءة اقتصادية عالية، مع قدرة تنافسية طويلة الأجل، وليس مجرد إضافة طاقة إنتاجية جديدة.
وبالنسبة لقطاع البناء، فإن دخول طاقة جديدة إلى سوق الإسمنت قد يكون عاملاً مهماً في المرحلة المقبلة، خصوصاً إذا ترافق مع استثمارات موازية في مواد البناء والنقل والخدمات الهندسية وسلاسل الإمداد.
وبذلك، فإن خط الإسمنت الجديد في حلب يمكن النظر إليه ليس كمشروع صناعي منفرد، بل كجزء من البنية التحتية الصناعية اللازمة لمرحلة إعادة إعمار واسعة في سورية.
المصدر: وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، مع الاستناد إلى البيانات الرسمية لشركة Çimko ومؤسسة التمويل الدولية IFC.