بدأ مشروع “مجمع يلبغا” في منطقة البحصة (على أرض جامع يلبغا المملوكي التاريخي بعد هدمه) عام 1976 بجدول زمني طموح (24 شهراً) وميزانية تقديرية بحدود 15 مليون ليرة سورية، ليتحول بعدها إلى أشهر قصة تعثر عمراني وإداري في تاريخ دمشق.
قصة هذا التعثر الذي قارب الخمسين عاماً تتلخص في عدة عوامل رئيسية:
تحدي المياه الجوفية (العامل الهندسي الأكبر): الموقع يقع في نقطة انخفاض هيدرولوجي مباشرة فوق مجاري ومسام مياه جوفية غريزة تغذيها فروع نهر بردى (وبالأخص فرع بانياس). الحفر العميق للمستويات السفلى اصطدم بنبع مياه فوار، واستمرت عمليات سحب وضخ المياه لسنوات متواصلة للسيطرة على المنسوب قبل القدرة على صب الأساسات العازلة (Raft Foundation) والكتامة الشاملة، وهو ما استنزف الوقت والميزانية الأولية بالكامل.
التعديلات المستمرة على التصميم (Scope Creep): لم يستقر المشروع على مخططه الأصلي؛ بل جرت تعديلات متكررة لزيادة المساحات الطابقية وإضافة أبراج ومواقف سيارات تحت الأرض ومجمع تجاري وخدمي، مما يتطلب كل مرة إعادة دراسة الأحمال والأساسات وتعديل المخططات الإنشائية والمعمارية.
التعاقد والبيروقراطية الإدارية: أُسند التنفيذ لمؤسسة الإسكان العسكري لصالح وزارة الأوقاف (المالكة للأرض). دخل الطرفان في دوامة طويلة من الخلافات التعاقدية، فروقات الأسعار، وآليات التمويل، مما أدى لتوقف المشروع لسنوات متقطعة.
التضخم والتعثر المالي: مع تطاول الزمن، أصبحت الميزانية المرصودة لا تغطي حتى القيمة التشغيلية للآليات. تحول المجمع إلى “فيل أبيض” يلتهم الميزانيات دون عوائد.
النزاعات الاستثمارية والإكساء: تم الانتهاء من الهيكل الخرساني والواجهات الخارجية (الإكساء الخارجي) بعد عقود، ولكن استكمال الإكساء الداخلي، والأنظمة الميكانيكية والكهربائية (التكييف المركزي، المصاعد، ونظم السلامة) ظل معطلاً. فشلت عدة محاولات لطرحه للاستثمار بنظام (BOT) أو استثماره عبر القطاع الخاص بسبب التعقيدات القانونية وحجم رأس المال المطلوب لإعادة تأهيله.
المجمع اليوم يقف كواجهة مكتملة من الخارج تقريباً، لكنه يستغل بشكل جزئي ومحدود جداً مقارنة بطاقته الاستيعابية الضخمة، ليبقى شاهداً على واحدة من أطول دورات التنفيذ الهندسي والإداري في المنطقة.
هذا التعثر ليس حكراً على سوريا، بل هو ظاهرة عالمية معروفة في إدارة المشاريع الهندسيّة الضخمة تُعرف بـ “مصيدة المشاريع العملاقة” (Megaproject Trap) أو “الفيلة البيضاء” (White Elephants)، حيث تخفق تقديرات الوقت والتكلفة بسبب العوائق الجيولوجية، التعديلات المعمارية، أو التعقيدات الإدارية والمالية.
إليك أبرز الأمثلة العالمية الشبيهة:
1. فندق ريوغيونغ (Ryugyong Hotel) – بيونغ يانغ، كوريا الشمالية
سنة البدء: 1987 (مدة الإنجاز المفترضة: سنتان).
سبب التعثر: أزمات مالية، عيوب في جودة الخرسانة، والبيروقراطية الحكومية.
النتيجة: ناطحة سحاب من 105 طوابق ظلت هيكلاً خرسانياً مهجوراً لأكثر من 20 عاماً. تم تركيب الواجهات الزجاجية الخارجية لاحقاً، لكن المبنى لا يزال غير مستغل من الداخل حتى اليوم (أكثر من 37 عاماً).
2. مطار برلين براندنبورغ (BER) – ألمانيا
سنة البدء: 2006 (الافتتاح المخطط: 2011).
سبب التعثر: أخطاء كارثية في تصميم أنظمة السلامة ومكافحة الحرائق، والتعديلات المتكررة على التصميم، والتخبط الإداري.
النتيجة: تأخر الافتتاح لمدة 9 سنوات كاملة حتى عام 2020، وارتفعت التكلفة من 2 مليار يورو إلى أكثر من 7 مليارات يورو في دولة تُعرف بدقة التخطيط الهندسي.
3. مترو ثيسالونيكي (Thessaloniki Metro) – اليونان
سنة البدء: 2006 (مدة الإنجاز المفترضة: 6 سنوات).
سبب التعثر: المياه الجوفية والتعامل مع طبقات الآثار التاريخية المكتشفة أسفل المدينة أثناء الحفر العميق (يشبه عائق المياه الجوفية في يلبغا).
النتيجة: استمر المشروع لأكثر من 18 عاماً بسبب توقف أعمال الحفر المستمر لحماية الطبقات الأثرية وضخ المياه.
4. قاعة إلبفيلهارموني (Elbphilharmonie) – هامبورغ، ألمانيا
سنة البدء: 2007 (الموعد المفترض: 2010).
سبب التعثر: نزاعات قضائية مع المقاولين، وتغييرات مستمرة في المخططات الإنشائية والأنظمة الصوتية أثناء التنفيذ.
النتيجة: تأخر المشروع 7 سنوات إضافية وتضاعفت الميزانية بأكثر من 10 أضعاف (من 77 مليون يورو إلى نحو 866 مليون يورو).