هل تتعايش دمشق مع ناطحات السحاب؟
محافظة دمشق ترسم إطاراً تخطيطياً من ثلاث مناطق يضبط أين تصعد الأبراج وأين تتوقف الارتفاعات — بمعايير تقييم جديدة ودراسات أثر بصري حول المعالم التاريخية. التفاصيل الكاملة على موقع المجلة.
هل تتعايش دمشق مع ناطحات السحاب؟
تضع محافظة دمشق إطاراً تخطيطياً جديداً لإعادة إعمار العاصمة يقوم على تقسيم المدينة إلى ثلاث فئات من المناطق، لكل منها ضوابط بناء واستثمار مختلفة: مناطق ذات حساسية تراثية وعمرانية عالية، ومناطق انتقالية، ومناطق تطوير عمراني حديث. وبحسب هذا الإطار، لن يُقيَّم أي مشروع بعد اليوم بمساحته وعدد طوابقه وجدواه فقط، بل بأثره في هوية المدينة ومشهدها البصري أولاً.

فرصة لإعادة تنظيم نمو المدينة
قال مدير مديرية دمشق القديمة، أمجد فرخ، لعنب بلدي، إن رؤية محافظة دمشق تنطلق من أن إعادة الإعمار لا يجب أن تكون مجرد تعويض للأبنية المتضررة أو زيادة في الكتلة العمرانية، وإنما فرصة لإعادة تنظيم نمو المدينة مع الحفاظ على شخصيتها التاريخية والعمرانية.
وأوضح أن المناطق التراثية ينبغي أن تكون الأولوية فيها للحفاظ والصيانة وإعادة التأهيل، وأن المناطق ذات الحساسية البصرية، المرتبطة بالمدينة التاريخية أو بمعالمها الرئيسة، تحتاج إلى ضوابط خاصة، أما المناطق الأخرى فيمكن أن تستوعب كثافات عمرانية أعلى وأنماطاً معمارية أكثر حداثة.
ودعا فرخ إلى ربط هذه التصنيفات بقاعدة بيانات عمرانية متكاملة ومخطط استراتيجي يحدد المناطق التي تتطلب الحماية، وتلك التي تحتاج إلى إعادة التأهيل، والمناطق التي يمكن أن تستوعب تطويراً عمرانياً مكثفاً، بدل التعامل مع كل عقار أو مشروع بصورة منفصلة.
معايير جديدة لتقييم المشاريع
في المناطق التاريخية، تعتمد محافظة دمشق مجموعة معايير للموافقة على مشروعات البناء الجديدة، تتجاوز المساحة وعدد الطوابق والجدوى الاستثمارية، وأهمها:
- طبيعة الموقع والقيمة التاريخية للمبنى أو المحيط.
- علاقة المشروع بالنسيج العمراني القائم.
- الارتفاع والحجم والكتلة المعمارية ومواد البناء.
- تأثير المشروع في المشهد البصري للمدينة.
- حركة المرور والبنية التحتية وطبيعة الاستخدام المقترح.

الارتفاع بقاعدة بصرية
يرى فرخ أن الارتفاع جزء من تكوين المشهد الحضري، وأن دراسته مستقبلاً يجب أن ترتبط بالممرات والمحاور البصرية وبدراسات الأثر البصري، ولا سيما حول المواقع التاريخية والمعالم الرئيسة. ويعني ذلك أن الارتفاع المقبول في منطقة ما قد لا يكون مقبولاً في منطقة أخرى، لأن القرار يرتبط بطبيعة المشهد والطبوغرافيا وخطوط الرؤية والقيمة العمرانية للموقع.
والخلاصة العملية للمطورين: مناطق ستُحدَّد لقدرتها على استيعاب كثافات وارتفاعات أكبر، استناداً إلى قدرة الطرق والبنية التحتية والنقل والخدمات فيها، مقابل مناطق حماية وعازلة وممرات بصرية تُفرض فيها قيود واضحة على الارتفاعات. فالحفاظ على الهوية العمرانية لا يعني إيقاف التطور الرأسي في المدينة بالكامل، كما أن الأبراج لا يمكن أن تُعتمد نموذجاً موحداً لجميع المناطق.

شروط تعايش الأبراج مع المدينة
من جهته، قال الدكتور في هندسة العمارة وتخطيط المدن، خالد الأيوب، لعنب بلدي، إن الأبراج يمكن أن تتعايش مع دمشق بشرط حصرها في محاور توسع جديدة ومحددة، وفرض مناطق حماية بصرية تفصل بينها وبين المركز التاريخي، ودراسة خطوط الرؤية، ومنع تشييد ناطحات سحاب خلف المعالم الرئيسة كالمسجد الأموي أو جبل قاسيون، وإلزام الأبنية الحديثة بنسب ارتفاعات مدروسة تحافظ على خط الأفق التاريخي وتمنع حجب المعالم.
وحذّر الأيوب من ضغط المضاربات العقارية، إذ يدفع ارتفاع القيمة الاستثمارية للأراضي نحو الهدم العشوائي أو التشويه التدريجي للأبنية التقليدية لمصلحة كتل أسمنتية وتجارية سريعة الربح.

وعن المشاريع القائمة، رأى أن مشروع «ماروتا سيتي» يفرض كتلاً وأبراجاً زجاجية معزولة تكسر خط الأفق التقليدي للمدينة وتخلق تبايناً حاداً مع الأحياء المجاورة، وأن «باسيليا سيتي» يمنح فرصة لتخفيف الضغط عن المدينة لكنه يهدد بعزل الهوية الريفية الشامية للمناطق الجنوبية، فيما تطرح مشاريع الأبراج في محيط البرامكة وكفرسوسة تحديات البنية التحتية والازدحام والمنافسة البصرية مع معالم كالتكية السليمانية وجامعة دمشق وجبل قاسيون.
التراث أصل اقتصادي
يختم فرخ بأن الاستثمار الثقافي والتراثي والسياحي والحرفي، وإعادة توظيف الأبنية التاريخية، يمكن أن يحققا للمدينة على المدى الطويل قيمة تتجاوز ما يوفره الاستثمار العقاري التقليدي، وأن الحفاظ على هوية دمشق، المصنفة موقع تراث عالمي لدى «يونسكو» منذ عام 1979، لا يشكل عائقاً أمام الاستثمار بل أحد أصول المدينة الاقتصادية والتنافسية مستقبلاً، إذا أُدير ضمن رؤية توازن بين حماية التراث وتلبية الاحتياجات السكنية والاقتصادية والخدمية.
إعداد: مجلة البناء والاستثمار في سوريا (CIP)
www.cip.sy | كافة الحقوق محفوظة ٢٠٢٦