من أبها إلى دمشق… هل تبدأ سوريا عصرها الجديد في اقتصاد الترفيه؟

في الوقت الذي تتسابق فيه الدول لإعادة تعريف السياحة بوصفها صناعة اقتصادية متكاملة، أعلنت المملكة العربية السعودية عن افتتاح أول وجهة ترفيهية كبرى لشركة SEVEN في مدينة أبها، الواقعة بين جبال عسير، لتكون بداية مرحلة جديدة من الاستثمار في الترفيه والسياحة الجبلية ضمن مستهدفات رؤية 2030. المشروع لا يقتصر على مدينة ألعاب، بل يمثل نموذجاً اقتصادياً يدمج السياحة، والضيافة، والتجزئة، والثقافة، وخلق فرص العمل في مشروع واحد.

لكن السؤال الذي يهم المستثمرين السوريين اليوم هو:

هل يمكن لسوريا أن تشهد مشاريع مشابهة خلال السنوات القادمة؟

السعودية لا تبني مشاريع ترفيه، بل تبني اقتصاداً جديداً

عندما اختارت السعودية مدينة أبها، لم يكن السبب أنها مدينة كبيرة، بل لأنها تمتلك طبيعة جبلية فريدة ومناخاً معتدلاً وهوية ثقافية مميزة.

ولهذا تعمل الدولة على تحويلها إلى وجهة سياحية عالمية عبر سلسلة من المشاريع، مثل SEVEN، ومشروع Soudah Peaks، إلى جانب تطوير البنية التحتية والمطار والفنادق والطرق، بهدف جذب ملايين الزوار سنوياً وتنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط.

الدرس الأهم هنا أن الاستثمار لم يبدأ بالمباني، بل بدأ برؤية اقتصادية واضحة، ثم تبعتها التشريعات، ثم البنية التحتية، ثم المستثمرون.

هل تمتلك سوريا المقومات؟

إذا نظرنا بواقعية، فإن سوريا تمتلك عناصر قد تجعلها منافساً قوياً في سياحة الجبال والطبيعة.

فالمناطق الجبلية مثل الزبداني، بلودان، صلنفة، كسب، مصياف، وادي النضارة، جبل الشيخ، وسفوح القلمون تمتلك طبيعة ومناخاً لا يقلان تميزاً عن كثير من الوجهات الإقليمية.

كما أن التنوع الثقافي، والمطبخ السوري، والحرف التقليدية، والآثار، تمنح سوريا ميزة يصعب تقليدها.

لكن هذه المقومات وحدها لا تكفي.

التحدي الحقيقي ليس التمويل

كثيرون يعتقدون أن المشكلة الأساسية هي نقص الأموال، بينما التجارب العالمية تشير إلى أن رأس المال يبحث دائماً عن المشاريع القابلة للاستثمار.

التحدي الحقيقي يكمن في:

عندها فقط تتحول الجبال السورية من أماكن للنزهات الموسمية إلى وجهات اقتصادية تعمل طوال العام.

ماذا يمكن أن يحدث خلال السنوات المقبلة؟

إذا استمرت سوريا في جذب الاستثمارات وإعادة تأهيل البنية التحتية، فمن المرجح أن نرى مشاريع تختلف عن النموذج التقليدي للمنتجعات.

قد تشمل المرحلة المقبلة:

هذه المشاريع لا تستهدف السائح فقط، بل تخلق فرصاً واسعة للمقاولين، وشركات البناء، والمكاتب الهندسية، والموردين، والمستثمرين.

رؤية CIP

مشروع أبها ليس قصة مدينة سعودية فحسب، بل مؤشر على أن اقتصاد الشرق الأوسط يتجه نحو الاستثمار في جودة الحياة وليس في العقارات التقليدية فقط.

ويبقى السؤال أمام سوريا:

هل ستكون إعادة الإعمار مجرد إعادة بناء ما هُدم، أم ستكون فرصة لبناء اقتصاد جديد يجعل من الجبال السورية وجهات عالمية للترفيه والسياحة والاستثمار؟

إن الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد شكل الاستثمار في سوريا خلال العقد القادم، وربما تفتح أمام القطاع الهندسي والعقاري فرصاً تتجاوز مفهوم البناء، إلى صناعة مدن وتجارب سياحية متكاملة قادرة على المنافسة إقليمياً.