تشهد سوريا تطوراً قد يشكل نقطة تحول في مستقبل قطاع العقارات والاستثمار، بعد إعلان محمد العبار، مؤسس ورئيس مجلس إدارة إعمار العقارية ورئيس شركة إيجل هيلز، عن التحضير لإطلاق مشاريع تتجاوز قيمتها 20 مليار دولار في دمشق واللاذقية. وإذا ما تم تنفيذ هذه الرؤية بالشكل المعلن، فإنها لن تمثل مجرد مشاريع تطوير عقاري، بل قد تؤسس لنموذج جديد يقوم على الشراكة بين الحكومة، والمستثمر الخليجي، ورأس المال السوري داخل البلاد وخارجها.

تكمن أهمية هذا الإعلان في أنه يعكس انتقال الاهتمام من الحديث عن إعادة الإعمار إلى البدء ببناء آليات استثمارية عملية قادرة على جذب رؤوس الأموال وتحريك الاقتصاد الحقيقي. Mohamed Alabbar
بحسب التصريحات، تستهدف الخطة إنشاء عشرات الآلاف من الوحدات السكنية، إلى جانب منتجعات سياحية، ومراكز تجارية، ومبانٍ إدارية، ومدارس، ومستشفيات.
هذه الرؤية تعكس مفهوماً حديثاً للتطوير العمراني، يعتمد على إنشاء مجتمعات متكاملة وليس مجرد أحياء سكنية. فالمدن الحديثة أصبحت تقوم على الدمج بين السكن، والعمل، والتعليم، والخدمات، والترفيه ضمن بيئة حضرية واحدة، وهو النموذج الذي نجحت شركات مثل إعمار وإيجل هيلز في تطبيقه في عدة دول.


الجانب الأكثر إثارة للاهتمام لا يتمثل في حجم الاستثمار فقط، وإنما في آلية التمويل المقترحة.
فبدلاً من الاعتماد الكامل على التمويل الحكومي أو الاستثمار الأجنبي، تقوم الفكرة على إنشاء شركة جديدة تمتلكها:
أولاً، يخفف العبء المالي عن الدولة.
ثانياً، يمنح السوريين فرصة المشاركة في بناء اقتصاد بلادهم بدلاً من الاكتفاء بدور المتلقي.
ثالثاً، يعزز الثقة المجتمعية، لأن ملكية المشاريع ستكون موزعة بين مختلف الأطراف.
كما أن إعلان محمد العبار عن رغبته بأن تصبح غالبية ملكية الشركة مستقبلاً للسوريين يحمل رسالة مهمة، وهي أن الاستثمار الأجنبي يمكن أن يكون شريكاً في التنمية، وليس بديلاً عن رأس المال الوطني.

في حال تنفيذ مشاريع بهذا الحجم، فإن التأثير لن يقتصر على شركات الإنشاءات.
فكل مليار دولار يُستثمر في البناء يحرك سلسلة طويلة من القطاعات، منها:
وهذا ما يعرف اقتصادياً بـ “الأثر المضاعف للاستثمار”، حيث يؤدي الإنفاق في قطاع واحد إلى تنشيط العديد من القطاعات الأخرى.
اختيار العاصمة دمشق واللاذقية ليس قراراً عشوائياً.
فدمشق تمثل المركز الإداري والاقتصادي والمالي للدولة، بينما تمتلك اللاذقية مقومات سياحية وبحرية تجعلها مؤهلة لتكون أحد أهم مراكز الاستثمار على الساحل الشرقي للبحر المتوسط.
وفي حال نجاح التجربة، فمن المرجح أن تمتد لاحقاً إلى محافظات أخرى تحتاج إلى مشاريع تنموية واستثمارية واسعة.

ترى CIP, مجلة البناء والاستثمار في سوريا أن الإعلان يمثل مؤشراً إيجابياً على عودة سوريا تدريجياً إلى خارطة الاستثمار الإقليمي، لكنه في الوقت نفسه يشكل اختباراً حقيقياً لقدرة البيئة الاستثمارية على استيعاب مشاريع بهذا الحجم.
فالنجاح لن يعتمد على حجم رأس المال فقط، بل على سرعة إصدار التشريعات، ووضوح آليات التمويل، وكفاءة الحوكمة، وشفافية إدارة الشركة الجديدة، إضافة إلى توفير بيئة تنظيمية تمنح المستثمر المحلي والأجنبي الثقة والاستقرار.
وإذا نجح هذا النموذج في تحقيق أهدافه، فقد يتحول إلى منصة وطنية تستقطب رؤوس الأموال السورية المهاجرة قبل الاستثمارات الأجنبية، ليصبح السوريون شركاء حقيقيين في إعادة بناء مدنهم واقتصادهم.