طرطوس واللاذقيةعلى خطى جبل علي

يشهد الساحل السوري تحولاً اقتصادياً قد يكون الأهم منذ عقود، مع الإعلان عن استثمارات إماراتية ضخمة لتطوير البنية التحتية البحرية واللوجستية. ولا يتعلق الأمر بتحديث الأرصفة أو زيادة عدد السفن فحسب، بل بنقل نموذج اقتصادي متكامل أثبت نجاحه عالمياً في ميناء جبل علي، أحد أكبر موانئ الحاويات وأكثرها كفاءة في العالم.

طرطوس

تشير الاتفاقية الموقعة مع موانئ دبي العالمية إلى استثمار تبلغ قيمته 800 مليون دولار لتطوير وتشغيل ميناء طرطوس، ضمن عقد امتياز يمتد 30 عاماً. ويشمل المشروع تطوير الميناء، وإنشاء مناطق لوجستية وصناعية، ومناطق حرة، وموانئ جافة، وربطها بشبكات النقل، وهي الركائز نفسها التي أسهمت في تحويل ميناء جبل علي إلى مركز عالمي للتجارة وإعادة التصدير.

مشاريع موانئ دبي

ولا تقتصر أهمية المشروع على حجمه المالي، بل تمتد إلى الخبرة التشغيلية التي يجلبها المستثمر. تعمل موانئ دبي العالمية في أكثر من 75 دولة، وتتعامل شبكتها مع نحو 9.2 بالمئة من حركة الحاويات العالمية، ما يمنح الموانئ التي تديرها قدرة أكبر على جذب خطوط الشحن الدولية، وتحسين الكفاءة التشغيلية، وربطها بسلاسل الإمداد العالمية.

ميناء اللاذقية

ويأتي هذا المشروع في وقت يشهد فيه قطاع النقل البحري أهمية متزايدة، إذ يتم نقل نحو 80 بالمئة من حجم التجارة العالمية عبر البحر، وفق بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية. لذلك فإن تطوير الموانئ لم يعد مشروعاً خدمياً، بل استثماراً استراتيجياً في مستقبل الاقتصاد الوطني.

ميناء جبل علي

أما ميناء جبل علي، الذي يمثل النموذج المرجعي لهذا التحول، فتتجاوز طاقته الاستيعابية 19 مليون حاوية نمطية (TEU) سنوياً، ويعد أحد أهم مراكز إعادة التصدير في العالم. ويعود نجاحه إلى تكامل الميناء مع المناطق الحرة، والخدمات اللوجستية، والرقمنة، وسهولة الإجراءات الجمركية، وليس إلى حجم الميناء وحده.

جبل علي

وفي حال امتد هذا النموذج إلى الساحل السوري، فإن الحديث لن يكون عن تطوير ميناء طرطوس فقط، بل عن إعادة تشكيل الدور الاقتصادي لكل من طرطوس واللاذقية. فالموقع الجغرافي لسوريا على البحر المتوسط يمنحها ميزة تنافسية تؤهلها لتكون نقطة التقاء بين الإنتاج الخليجي والأسواق الأوروبية، عبر شبكة نقل ولوجستيات أكثر كفاءة.

كما يتضمن المشروع بعداً تنموياً مهماً، إذ تشير التصريحات الرسمية إلى أن ما لا يقل عن 90 بالمئة من فرص العمل ستكون للكوادر السورية، مع تنفيذ برامج تدريب وتأهيل لنقل الخبرات في مجالات تشغيل الموانئ وإدارة الخدمات اللوجستية، بما يعزز بناء القدرات المحلية على المدى الطويل.

ورغم الطموحات الكبيرة، فإن نجاح هذه الرؤية سيعتمد على استكمال منظومة متكاملة تشمل تحديث شبكات الطرق والسكك الحديدية، وتبسيط الإجراءات الجمركية، وتحسين البيئة الاستثمارية، وربط الموانئ بالمناطق الصناعية والأسواق الإقليمية. فالموانئ الحديثة تحقق قيمتها الحقيقية عندما تصبح جزءاً من منظومة اقتصادية متصلة، لا مجرد نقاط لعبور السفن.

إذا نجحت هذه الخطوات، فقد يتحول الساحل السوري خلال السنوات المقبلة من واجهة بحرية تقليدية إلى منصة لوجستية إقليمية، تربط الخليج العربي بالبحر المتوسط والأسواق الأوروبية، وتعيد لسوريا موقعها التاريخي كمحور للتجارة والاستثمار في المنطقة.