
بقلم محمد نزار المقداد
معرض ناس تكس 2026 ليس مجرد فعالية اقتصادية جديدة أضيفت إلى روزنامة المعارض السورية، بل رسالة واضحة مفادها أن قطاع النسيج السوري ما زال يمتلك القدرة على استعادة مكانته الإقليمية، وأن سوريا قادرة على تنظيم أحداث اقتصادية وصناعية بمواصفات دولية تجمع بين الإنتاج والتكنولوجيا والاستثمار في منصة واحدة.

النسخة الأولى من المعرض، التي تُقام على أرض مدينة المعارض بدمشق تحت رعاية فخامة رئيس الجمهورية السيد أحمد الشرع، شكّلت انطلاقة لافتة لمعرض متخصص يُعد الأول من نوعه في المنطقة من حيث شموليته، بمشاركة أكثر من 300 شركة وعارض يمثلون أكثر من 25 دولة، في مؤشر واضح على عودة الاهتمام الإقليمي والدولي بالسوق السورية وبالقطاع الصناعي على وجه الخصوص.

ولعل أبرز ما ميّز المعرض أنه لم يقتصر على عرض المنتجات النسيجية التقليدية، بل قدّم سلسلة الإنتاج كاملة، بدءاً من الخيوط والأقمشة والملابس الجاهزة والمفروشات، وصولاً إلى أحدث التقنيات الصناعية المستخدمة في هذا القطاع.

فقد ضمّ المعرض آلات الغزل والحياكة والنسيج، وماكينات التطريز الرقمية، وآلات الطباعة المباشرة على الأقمشة والطباعة الحرارية، وخطوط القص الآلي، ومعدات الصباغة والتشطيب والتجهيز، إضافة إلى أنظمة إدارة المصانع (ERP)، وحلول الأتمتة الصناعية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي المخصصة لقطاع النسيج، في رسالة تؤكد أن مستقبل هذه الصناعة لم يعد يرتبط بالإنتاج وحده، بل بالتكنولوجيا أيضاً.

كما منح المعرض مساحة مهمة لريادة الأعمال، والحرف التراثية، وسلاسل التوريد، واللقاءات الثنائية بين المستثمرين والشركات، وهو ما جعله منصة اقتصادية متكاملة تتجاوز مفهوم المعرض التقليدي نحو بناء شراكات واستثمارات جديدة.

الحضور الرسمي الرفيع الذي شهده المعرض، إلى جانب الزيارات الحكومية والوفود العربية والدولية وممثلي غرف التجارة والصناعة ومجالس الأعمال، عكس حجم الاهتمام الذي يحظى به قطاع النسيج باعتباره أحد أكثر القطاعات قدرة على توليد فرص العمل وزيادة الصادرات واستقطاب الاستثمارات.

كما أن مشاركة وفود اقتصادية عربية ودولية أرسلت إشارات إيجابية إلى المستثمرين بأن السوق السورية تعود تدريجياً إلى خارطة الأعمال الإقليمية.

وتاريخياً، لم تكن صناعة النسيج مجرد قطاع إنتاجي في سوريا، بل شكّلت لعقود إحدى ركائز الاقتصاد الوطني، واستندت إلى خبرات تراكمت عبر أجيال، حتى أصبحت المنتجات السورية حاضرة في أسواق عربية وعالمية عديدة. واليوم، ومع عودة النشاط الصناعي وبدء تحديث خطوط الإنتاج وإدخال التقنيات الحديثة، تبدو الفرصة متاحة لإعادة بناء هذه المكانة على أسس أكثر تطوراً وقدرة على المنافسة.

إن النجاح الحقيقي لـ”ناس تكس 2026″ لا يُقاس بعدد الشركات المشاركة فحسب، وإنما بما حمله من رسائل اقتصادية.
فقد أثبت المعرض أن الصناعة السورية ما زالت تمتلك قاعدة إنتاجية وخبرات بشرية وأسواقاً قادرة على النهوض مجدداً متى توافرت البيئة الاستثمارية المناسبة.
كما أن الجمع بين المصنعين، وموردي التكنولوجيا، والمستثمرين، والجهات الحكومية، في مساحة واحدة، يمثل نموذجاً لما تحتاجه سوريا في المرحلة المقبلة؛ معارض متخصصة تتحول إلى منصات لعقد الصفقات، ونقل التكنولوجيا، وجذب الاستثمارات، وليس مجرد منصات للعرض.
وإذا نجحت الدورات المقبلة في توسيع المشاركة الدولية، وتعزيز اللقاءات الاستثمارية، وربط المعرض بعقود تصديرية وشراكات صناعية حقيقية، فإن “ناس تكس” مرشح لأن يصبح أحد أهم المعارض التخصصية في الشرق الأوسط، وأن يكون نافذة جديدة تعكس تعافي الصناعة السورية وقدرتها على المنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية.