هل تستطيع سوريا تحويل مواقعها الأثرية إلى وجهات استثمارية عالمية؟

عندما أعلن رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار عن استثماراته في مشروع قلعة أنتوغنولا التاريخية في إيطاليا، لم يكن الخبر مجرد توسع جديد في أوروبا، بل كان مؤشراً على تحول مهم في مفهوم الاستثمار العقاري العالمي.

قلعه انتوغنولا

فالاستثمار لم يتجه إلى أرض خام أو مدينة جديدة، وإنما إلى موقع تاريخي يمتلك هوية عمرها قرون، ليعاد إحياؤه كمقصد سياحي واستثماري فاخر يجمع بين التراث والضيافة والخدمات الراقية.

وهنا يبرز سؤال مهم بالنسبة لسوريا.

إذا كانت إيطاليا قادرة على تحويل قلعة تاريخية إلى محرك اقتصادي، فهل تستطيع سوريا أن تفعل الشيء نفسه مع عشرات المواقع التي تمتلك قيمة تاريخية وحضارية أكبر؟

الاستثمار في التاريخ أصبح صناعة

لم يعد المستثمر العالمي يبحث فقط عن بناء الأبراج والمجمعات السكنية.

اليوم، تتجه الاستثمارات الكبرى نحو الأصول التي تمتلك قصة وهوية وتجربة مختلفة، لأن القيمة الاقتصادية أصبحت ترتبط بقدرة المشروع على تقديم تجربة متكاملة، وليس بمجرد بيع الوحدات العقارية.

وهذا ما يفسر توجه مستثمرين عالميين إلى القلاع، والقصور، والموانئ التاريخية، والمناطق التراثية، وتحويلها إلى فنادق فاخرة، ومنتجعات، ومراكز ثقافية، ومجمعات تجارية راقية، مع الحفاظ على طابعها المعماري.

سوريا تمتلك ما هو أثمن من العقار

عندما نتحدث عن الاستثمار في سوريا، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو إعادة بناء المدن.

قلعه الحصن

لكن هناك فرصة قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل.

سوريا تمتلك واحدة من أغنى البيئات الأثرية في العالم.

من المدينة القديمة في دمشق، إلى قلعة حلب، وقلعة الحصن، وتدمر، وأفاميا، وبصرى، والبيوت الدمشقية التقليدية، والخانات والأسواق التاريخية، تمتلك البلاد أصولاً لا يمكن لأي دولة أن تعيد تصنيعها أو تكرارها.

هذه المواقع ليست مجرد آثار.

بيوت دمشق القديمة

إنها أصول اقتصادية كامنة إذا أُديرت وفق رؤية استثمارية تحترم قيمتها التاريخية.

ماذا يمكن أن يكون النموذج السوري؟

ليس الهدف تحويل المواقع الأثرية إلى مشاريع تجارية تفقدها هويتها.

بل على العكس، يمكن تطوير نموذج يقوم على التوازن بين الحفاظ على التراث وتحقيق عائد اقتصادي مستدام.

يمكن أن يشمل ذلك:

بهذه الطريقة، يصبح الموقع الأثري مصدر دخل دائم، وليس عبئاً مالياً يعتمد فقط على موازنات الترميم.

ما الذي تحتاجه سوريا لتحقيق ذلك؟

الفرصة موجودة، لكنها تتطلب بيئة مناسبة.

نجاح هذا النموذج يرتبط بعدة عناصر، أهمها:

الدرس الحقيقي من تجربة محمد العبار

القيمة الحقيقية للمشروع الإيطالي لا تكمن في حجم الاستثمار فقط.

بل في طريقة التفكير.

فبدلاً من النظر إلى الموقع التاريخي على أنه مبنى قديم يحتاج إلى صيانة، جرى التعامل معه باعتباره أصلاً اقتصادياً يمكن أن يولد فرص عمل، ويجذب السياح، ويرفع قيمة المنطقة بأكملها، مع الحفاظ على هويته الثقافية.

وهذا هو الدرس الذي يمكن أن تستفيد منه سوريا.

فالتراث ليس عبئاً على الاقتصاد، بل يمكن أن يكون أحد أهم محركاته إذا جرى الاستثمار فيه وفق معايير علمية، واحترام كامل لقيمته التاريخية، وبالشراكة مع المؤسسات المختصة بحماية الآثار.

ربما لا تستطيع سوريا أن تنسخ التجربة الإيطالية، لكن يمكنها أن تطور نموذجها الخاص، مستفيداً من ثروتها الحضارية الفريدة. وعندما يتحول التاريخ من ذاكرة محفوظة إلى مورد اقتصادي مستدام، يصبح الحفاظ على التراث استثماراً في المستقبل، وليس مجرد مسؤولية تجاه الماضي.

بقلم: م خالد الغبرا
Construction Investment Prime (CIP) – البناء والاستثمار في سوريا