دمشق ترسم خطّ أفقها: قواعد واضحة للارتفاع تصنع يقيناً للمستثمر وتحمي التراث
دمشق تنتقل من إعلانات المشاريع إلى قواعد معلّنة للارتفاع والحماية البصرية. ماذا تعني ضوابط الأفق الجديدة للمستثمر والمطوّر، وكيف يتحوّل التراث نفسه إلى فئة أصول؟
جدلٌ مفتوح في العاصمة حول الأبراج وهوية المدينة — لكن الرسالة الأهم للمستثمر ليست في الجدل نفسه، بل في اتجاهه: دمشق تنتقل من إعلانات المشاريع إلى قواعد معلنة للارتفاع والحماية البصرية، وقواعد واضحة هي أول ما يبحث عنه رأس المال قبل أن يتحرك.

دمشق – CIP
عاد الاستثمار العقاري إلى واجهة دمشق منذ نهاية 2024، مع حزمة مشاريع مرتقبة تشمل قلب المدينة وتوسعاتها وريفها القريب. ومع العودة برز السؤال الموازي: كيف تستوعب أقدم عاصمة مأهولة أبنية حديثة وأبراجاً، من دون أن تخسر نسيجها التاريخي وهويتها؟
الإجابة التي تتبلور اليوم لا تأتي من بيانات المستثمرين، بل من الجهة المنظِّمة نفسها.
رؤية المحافظة: الإعمار إعادة تنظيم، لا تعويض أبنية
يشرح مدير مديرية دمشق القديمة، أمجد فرخ، رؤية المحافظة هكذا: إعادة الإعمار ليست، في حساباتها، عملية استبدال لأبنية تضررت ولا سباقاً نحو كتل عمرانية أكبر، بل مناسبة لإعادة ترتيب نمو المدينة نفسه، بحيث يتقدم هذا النمو من دون أن تفقد دمشق شخصيتها التاريخية وملامحها العمرانية.
وتتوزع المدينة في هذه الرؤية على ثلاث فئات: فئة أولى ذات حساسية تراثية وعمرانية عالية، أولويتها الحفاظ والصيانة وإعادة التأهيل؛ وفئة انتقالية تمسّ المدينة التاريخية ومعالمها فتحتاج إلى ضوابط خاصة بها؛ وفئة ثالثة مخصصة للتطوير العمراني الحديث، تستوعب كثافات أعلى وأنماط بناء أكثر حداثة.
ويضيف فرخ أن العمل يجري على ربط هذه الفئات بمنظومة بيانات عمرانية شاملة وخطة استراتيجية ترسم بدقة حدود المناطق المحمية، ومواقع الترميم، والمساحات التي يمكن أن تنمو بكثافة.
السياق ليس جديداً بالكامل: دمشق القديمة موقع تراث عالمي لدى اليونسكو منذ عام 1979، و«الحرم الأخضر» في الغوطتين ممنوع البناء عليه منذ مخطط إيكوشار عام 1936. الجديد هو تحويل هذا الإرث التنظيمي إلى أدوات تقييم معلنة لكل مشروع جديد.
معايير مكتوبة قبل الترخيص
يؤكد فرخ أن المحافظة لا تحسم موقفها من أي مشروع مقترح داخل المناطق التاريخية انطلاقاً من مساحته أو عدد طوابقه أو جدواه الاقتصادية وحده. فالحسم يأتي بعد فحص ملف أوسع: خصائص الموقع نفسه، وما يحمله المبنى أو محيطه من قيمة تاريخية، وكيف سيندمج المشروع في النسيج العمراني المحيط به، وحجمه وارتفاعه وكتلته المعمارية ومواد بنائه، وما سيتركه من أثر في المشهد البصري، فضلاً عن أثره في حركة المرور وقدرة البنية التحتية، وطبيعة الاستخدام الذي يقترحه.
ويشدد على أن دراسات الارتفاع المقبلة لن تُبنى على رقم موحد، بل ستُربط بالممرات البصرية وبقياس ما يتركه كل مبنى من أثر في المشهد؛ فقد يمرّ ارتفاع معيّن في نقطة ما من المدينة، ويُرفض الارتفاع نفسه في نقطة ثانية لا تبعد عنه كثيراً.

الأبراج ليست ممنوعة… بل مشروطة
لا يقدّم المختصون الحمايةَ بوصفها حظراً. الدكتور في هندسة العمارة وتخطيط المدن، خالد الأيوب، يضع إصبعه على تحدٍّ آخر يواجه أي ضوابط بناء حديثة: موجات المضاربة على الأراضي. فحين تقفز أسعار الأرض، يصبح المبنى التقليدي هدفاً للهدم أو للتشويه المتراكم، ليحل محله مشروع تجاري يُشيَّد على عجل طلباً لربح سريع.
في المقابل، يمكن للأبراج أن تتعايش مع المدينة التاريخية إذا وُجّهت إلى أحزمة توسّع مرسومة سلفاً بعيداً عن المركز القديم، تفصل بينها وبينه مساحات تُراعى فيها الرؤية والمشهد، وإذا مُنع قيام أي برج شاهق في خلفية المعالم الكبرى كالجامع الأموي وقاسيون، وخضعت ارتفاعات البناء الحديث لسقوف محسوبة تصون الأفق التاريخي للمدينة.
ومن مقعده كمنظِّم، يلتقي فرخ مع هذا الطرح: فلا الأبراج وصفة واحدة تصلح لكل حيّ في دمشق، ولا حماية الهوية تعني تجميد البناء العمودي في المدينة كلياً.
المشاريع القائمة تدخل الاختبار
الاختبار الفعلي لهذه القواعد يجري على مشاريع قائمة أُقرّت بتشريعات خاصة. فعن «ماروتا سيتي» يقول الأيوب إن المشروع زرع وسط المدينة كتلاً برجية زجاجية تقف منعزلة عما حولها، فانقطع بها امتداد أفق دمشق المألوف، وقام بينها وبين الأحياء السكنية الملاصقة لها تباين لافت في الكثافة وفي النمطين الاجتماعي والاقتصادي. أما «باسيليا سيتي» فيمنح فرصة لتخفيف الضغط عن المدينة بمخططه الشبكي الواسع، لكنه يهدد بعزل الهوية الريفية الشامية للأحياء الجنوبية. وفي القابون الصناعي وجوبر تُستبدل الورش والنسيج الحرفي بأبراج عند مداخل المدينة، بينما تطرح مشاريع البرامكة وكفرسوسة أسئلة البنية التحتية والازدحام والمنافسة البصرية مع التكية السليمانية وجامعة دمشق وقاسيون.
وعلى الأرض، تتحرك المحافظة في ملف ماروتا وباسيليا بأدوات تصحيحية: حزمة إجراءات لمعالجة تظلمات الأهالي وتعويضهم، وخطة لتنفيذ 54 برجاً سكنياً للسكن البديل خلال ثلاث سنوات. أي إن المشروعين اللذين يتصدران الجدل باتا يُدارا بملفات تصحيح معلنة، لا بوعود عامة.
قراءة CIP: ماذا يعني هذا للمستثمر والمطوّر؟
أولاً، اليقين التنظيمي أثمن من التساهل. مستثمر يشتري أرضاً وهو يعرف سلفاً سقف الارتفاع ومتطلبات الأثر البصري يخاطر أقل ممن يشتري على أمل استثناء لاحق. القواعد المعلنة، حتى الصارمة منها، تُسعَّر وتُدار؛ المفاجآت التنظيمية وحدها هي ما لا يُسعَّر.
ثانياً، خريطة القيمة يعاد رسمها. محاور التوسع المحددة والمناطق القادرة على استيعاب الكثافة، بطاقتها الاستيعابية من طرق وبنية تحتية، تصبح العنوان الأول للمشاريع الكبرى؛ في المقابل ترتفع كلفة المجازفة قرب النسيج التاريخي ومناطق الحساسية البصرية.
ثالثاً، التراث يتحول إلى فئة أصول قائمة بذاتها. فحين يؤكد مدير مديرية دمشق القديمة نفسه أن الاستثمار في الثقافة والسياحة والحرف، وإعادة تشغيل الأبنية التاريخية بدل تركها جامدة، قد يمنح المدينة على المدى الطويل قيمة أعلى مما يمنحها البناء العقاري المعتاد، فهذا تصريح رسمي بفتح باب منتج استثماري مختلف: مبانٍ تاريخية تُعاد إلى الدورة الاقتصادية بدل تجميدها أو هدمها. ويلخّص فرخ المعادلة كلها من زاويته: هوية دمشق ليست عبئاً على الاستثمار بالضرورة؛ فهي قادرة، إن حُميت، أن تتحول إلى واحد من أصول المدينة الاقتصادية وورقة من أوراقها التنافسية في المستقبل.
الخلاصة البنّاءة: جدل الأفق في دمشق ليس ضجيجاً معادياً للاستثمار، بل سوقٌ تنضج. المدن التي تكتب قواعدها قبل موجة البناء الكبرى تحمي تراثها وترفع قيمة مشاريعها معاً — ومن يقرأ القواعد مبكراً، يشتري اليقين قبل أن يصبح له سعر.
إعداد: مجلة البناء والاستثمار في سوريا (CIP)
www.cip.sy | كافة الحقوق محفوظة ٢٠٢٦